بقلم الدكتور/ أسامه سعد رئيس مجلس إدارة مركز حماية لحقوق الإنسان   التلاعب بالمفاهيم القانونية: تحويل التهجير القسري إلى "هجرة طوعية" أو "عبور حر" كوسيلة للإفلات من المسؤولية

بقلم الدكتور/ أسامه سعد
رئيس مجلس إدارة مركز حماية لحقوق الإنسان
  التلاعب بالمفاهيم القانونية: تحويل التهجير القسري إلى "هجرة طوعية" أو "عبور حر" كوسيلة للإفلات من المسؤولية 
المنظومة القانونية الدولية، لا تعتمد على المسميات السياسية أو الإعلامية بل على الواقع الموضوعي والبيئة المحيطة بالمدنيين.
والحقيقة أن الاختلاف الجوهري يكمن في عنصر الإرادة وحرية الاختيار، بالإضافة إلى الظروف الدافعة للمغادرة.
فالتهجير القسري هو: إجبار الأفراد أو الجماعات على مغادرة ديارهم وأماكن إقامتهم المعتادة رغماً عنهم. وفقاً للقانون الدولي الإنساني (اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولين الإضافيين) وبحسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يُصنّف التهجير القسري كـ "جريمة حرب" إذا تم داخل حدود الدولة، وكـ "جريمة ضد الإنسانية" إذا تم عبر الحدود وكان جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد مدنيين.
بينما الهجرة الطوعية هي: انتقال الشخص بملء إرادته الحرة وبناءً على قرار ذاتي غير خاضع للإكراه، وعادةً ما تكون مدفوعة برغبة شخصية كالبحث عن فرص عمل أفضل، أو الدراسة، أو لم شمل الأسرة، مع وجود خيار حقيقي وقانوني للبقاء دون تهديد لسلامته.
وهنا يثار التساؤل هل يكفي تغيير المسمى إلى "العبور الحر" لتغيير التوصيف القانوني؟
القاعدة القانونية "العبرة في تكييف الجرائم والانتهاكات هي بالأفعال والنتائج، لا بالأسماء والمصطلحات".
فتغيير المسمى من "هجرة طوعية" أو "تهجير" إلى "العبور الحر" لا قيمة قانونية له أمام المحاكم الدولية إذا كانت البيئة المحيطة طاردة وقاتلة، والمحكمة الجنائية الدولية تنظر إلى "الأثر الفعلي" للإجراءات، فإذا كان المدني "يَعبر" لأن بديل البقاء هو الموت أو الهلاك المحتم، فإن التوصيف القانوني يظل تهجيراً قسرياً غير مشروع، وتعتبر التسميات البديلة مجرد محاولة غطاء سياسي لإخفاء ركن الجريمة المادي. وتعتبر موافقة المدني "غير حرة" في ظروف الحرب وفقا للمبدأ الذي
أرسته المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة وفقاً لمعايير صارمة لتحديد "حرية الإرادة"، وتلخص في التالي: الموافقة تعتبر باطلة قانوناً ولاغية، ويتحول الفعل إلى تهجير قسري، إذا تمت تحت وطأة:
-    البيئة الإكراهية: عندما يُحرم المدنيون من مقومات الحياة الأساسية (الماء، الغذاء، الدواء، الكهرباء) ويصبح البقاء مستحيلاً.
-    القصف واستهداف الأعيان المدنية: إذا كان "الاختيار" المتاح للمدني هو إما المغادرة أو البقاء تحت القصف العشوائي وتدمير المنازل.
-    انعدام البدائل الحقيقية: ألا يكون أمام الشخص خيار حقيقي للبقاء بأمان كرامةً واستقراراً. الخيار بين الموت أو النزوح ليس خياراً قانونياً، بل إكراه مطلق.
كما يوجد سوابق دولية مشابهة، استخدمت القوى التاريخية وأطراف النزاعات مصطلحات تجميلية للهروب من الملاحقة القانونية، لكن القضاء الدولي أدام التوصيف الجنائي لها:
-    ففي محاكمات يوغوسلافيا السابقة حاولت القوات الصربية الدفع بأن المدنيين وقّعوا على وثائق تفيد برغبتهم في "المغادرة الطوعية" وبأن منظمات دولية (كالصليب الأحمر) كانت حاضرة لتسهيل "العبور". رَفعت المحكمة هذا الدفع وأكدت أن حضور المنظمات أو توقيع الأوراق في بيئة مرعبة لا يجعل الفعل طوعياً، وأدانت المتهمين بجريمة التهجير القسري.
-    محاكمات نورمبرغ (بعد الحرب العالمية الثانية): دفع القادة النازيون بأن نقل ملايين العمال من الدول المحتلة إلى ألمانيا كان "برامج تشغيل تعاقدية وطوعية"، لكن المحكمة اعتبرتها جريمة ترحيل قسري لأن الظروف المحيطة ألغت أي إرادة حرة.
-    اتفاقية لوزان (1923): تاريخياً، قبل تبلور القانون الدولي الإنساني الحديث، تم استخدام مصطلح "التبادل السكاني الإلزامي" بين اليونان وتركيا برعاية عصبة الأمم. اليوم
-     يعتبر فقه القانون الدولي أن مثل هذه الترتيبات الجماعية القائمة على الهوية الإثنية أو الدينية هي سوابق غير شرعية تخرق القواعد الآمرة المستحدثة التي تحظر النقل الجماعي للسكان.
الخلاصة:
أياً كان المصطلح، أو التسمية فالأثر واحد سواء كان تهجير قسري أو هجرة طوعية أو عبور حر، إذ لم تكن إرادة المدنيين مطلقة في هذا الاختيار، والإقدام على هذا السلوك للهروب من الموت المحقق، وبالتالي وكما سبق البيان فالسلوك مجرم ومحققه أركانه ويرقى ليشكل جريمة دولية يمكن الملاحقة عليها أمام المحاكم الدولية.

الخبر السابق "حماية" من طفل أحرق حياً إلى جيل يُباد كاملاً "جرا...