يتهددها خطر الوجود .... وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)... إلى أين؟

✒️ بقلم: رائد محمد البرش

          محامي وناشط حقوقي-غزة

يتهددها خطر الوجود .... وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)... إلى أين؟

منذ إنشاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 (د-4) لعام 1949، أوكلت إليها مهمة إغاثة وتشغيل وحماية اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا قسراً من أوطانهم. وقد لعبت الوكالة، خلال العقد الأول من تأسيسها، دوراً محورياً في توفير الاحتياجات الأساسية للاجئين، وأسهمت بصورة كبيرة في التخفيف من معاناتهم الإنسانية من خلال تقديم خدمات الإغاثة، والتعليم، والرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية.

ومع قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية، أخذ دور الأونروا ينحصر تدريجياً في تقديم خدمات التعليم والصحة والإغاثة الاجتماعية، دون أن يتوسع إلى أدوار أخرى، كما شهد مستوى الخدمات المقدمة تراجعاً ملحوظاً نتيجة الأزمات المالية المتكررة التي واجهتها الوكالة.

وخلال العقدين الأخيرين، برزت تحديات متزايدة باتت تهدد مستقبل الأونروا واستمرار عملها، ويمكن إجمال أبرزها فيما يلي:

أولاً: الأزمة المالية وتراجع التمويل الدولي.

أدى تعليق أو تقليص المساهمات المالية من بعض الدول والجهات المانحة إلى أزمة تمويل مزمنة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات التي تقدمها الوكالة للاجئين الفلسطينيين.

ثانيًا: الحديث عن أطر دولية بديلة.

برزت خلال السنوات الأخيرة مقترحات تدعو إلى توسيع دور وكالات وبرامج أممية أخرى، مثل اليونيسف، واليونسكو، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأغذية العالمي، في تقديم بعض الخدمات التي تضطلع بها الأونروا. وبدورنا نرى أن هذا التوجه قد يمهد، في حال تطوره، إلى تقليص دور الوكالة أو استبدالها تدريجياً، وهو ما يثير مخاوف بشأن انعكاساته القانونية والسياسية على قضية اللاجئين الفلسطينيين، سيًما أن إنهاء ولاية الأونروا لا يتم إلا بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ثالثًا: الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

شهدت السنوات الماضية ضغوطاً سياسية متكررة من الولايات المتحدة وإسرائيل باتجاه تقليص دور الأونروا، سواء من خلال تقليص التمويل أو توجيه انتقادات لأدائها. كما وجهت إسرائيل اتهامات لبعض موظفي الوكالة بالارتباط بفصائل فلسطينية، وأعلنت عن مزاعم تتعلق باستخدام بعض منشآت الأونروا لأغراض عسكرية خلال الحرب على قطاع غزة. وقد دفعت هذه الاتهامات عدداً من الدول إلى تعليق تمويلها مؤقتاً، في حين باشرت الأمم المتحدة تحقيقات داخلية واتخذت إجراءات بحق عدد من الموظفين. ومع ذلك، فإن ثبوت مخالفات فردية " إن ثبتت" لا يعني بالضرورة وجود سياسة مؤسسية معتمدة من الوكالة، وهو ما يقتضي التمييز بين المسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسسية.

رابعًا: الطروحات المتعلقة بمستقبل إدارة قطاع غزة.

في أعقاب حرب الإبادة على قطاع غزة، برزت نقاشات ومقترحات سياسية بشأن ترتيبات إدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، وتضمنت بعض التصريحات "لمجلس السلام" الدعوة إلى تقليص دور الأونروا أو استبداله بترتيبات أخرى. ونعتقد في هذا السياق أن أي مساس بولاية الوكالة قد ينعكس بصورة مباشرة على الوضع القانوني والسياسي للاجئين الفلسطينيين، وعلى استمرار الخدمات الأساسية التي تقدمها لهم، وفي مقدمتها التعليم والرعاية الصحية والإغاثة الاجتماعية.

في ضوء المعطيات السابقة، يمكن القول إن الأونروا تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة تمس مستقبلها المؤسسي، ويتهددها خطر الوجود حقيقة، سواء من خلال الضغوط المالية أو السياسية أو الطروحات المتعلقة بإعادة هيكلة منظومة المساعدات الدولية. وفي هذا السياق يمكن تصور السيناريوهات التالية لمستقبل الوكالة:

السيناريو الأول: استمرار الأونروا في أداء مهامها، ولكن ضمن موارد مالية محدودة وتحت ضغوط سياسية متزايدة، بما يؤثر في مستوى الخدمات المقدمة للاجئين.

السيناريو الثاني: تقليص دور الوكالة بصورة تدريجية أو إحلال ترتيبات دولية أخرى محلها، وهو سيناريو يثير تساؤلات قانونية وسياسية بشأن مستقبل الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين.

المطلوب فلسطينياً من جال تعزيز ودعم استمرار ولاية الأونروا، يجب:

أولاً: التأكيد من قبل الفصائل الفلسطينية، سيًما فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، على أن إنهاء ولاية الأونروا أو استبدالها لا يكون إلا بقرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ثانياً: على المجلس الوطني الفلسطيني إصدار موقف رسمي يرفض أي ترتيبات تمس المركز القانوني للاجئين الفلسطينيين أو تنتقص من حقوقهم، وفي مقدمتها حق العودة وفق قرارات الشرعية الدولية.

ثالثاً: تكثيف الجهود الدبلوماسية للسلطة الوطنية الفلسطينية مع الدول المانحة لحشد الدعم المالي والسياسي اللازم لضمان استمرار عمل الوكالة.

رابعاً: التواصل مع الدول المنخرطة في أي مبادرات دولية تتعلق بمستقبل قطاع غزة، للتأكيد على أهمية الحفاظ على ولاية الأونروا باعتبارها جزءاً من منظومة الحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضيتهم وفق قرارات الأمم المتحدة.

"انتهى"

الخبر السابق الفوضى المُدارة...سلاح الاحتلال الجديد في غزة