الفوضى المُدارة...سلاح الاحتلال الجديد في غزة

✒️ بقلم المحامية أمل دادر

الفوضى المُدارة...سلاح الاحتلال الجديد في غزة

لم يعد الاحتلال الإسرائيلي يكتفي بالقصف والتدمير المادي، بل انتقل إلى استخدام أداة أكثر تعقيدًا تتمثل في "الفوضى المُدارة"، من خلال استهداف مقومات الحياة المدنية والمؤسسات التي تضطلع بحماية المجتمع، وفي مقدمتها أجهزة إنفاذ القانون، وهي سياسة تؤدي إلى تقويض النظام العام وإضعاف قدرة المجتمع على الصمود.

فمنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، لم تقتصر آثار العمليات العسكرية على الخسائر البشرية والدمار الواسع في البنية التحتية، بل امتدت لتشمل استهداف مؤسسات مدنية تضطلع بمهام أساسية، وفي مقدمتها أجهزة الشرطة وإنفاذ القانون التي تتمثل وظائفها في حفظ النظام العام، وحماية الممتلكات، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وضبط الأسواق. وقد أدى إضعاف هذه المؤسسات إلى اتساع مظاهر الانفلات الأمني، وانتعاش السوق السوداء، وازدياد نفوذ المحتكرين وتجار الحرب، الذين يستغلون غياب الرقابة لتحقيق مكاسب غير مشروعة، فأصبح المدنيون يواجهون خطر الحرب من جهة، وخطر الفوضى والاستغلال من جهة أخرى.

إن استهداف المنظومة الشرطية لا يقتصر أثره على الجانب الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد والصحة والعمل الإنساني والنسيج الاجتماعي، إذ يؤدي غياب مؤسسات إنفاذ القانون إلى خلق بيئة تسمح بانتشار أنماط خطيرة من الاستغلال، من بينها الابتزاز الغذائي، واحتكار السلع، ونهب المساعدات، وتهريب مواد خطرة تحت غطاء العمل الإنساني، الأمر الذي يضاعف معاناة السكان المدنيين، ويثير مسألة المسؤولية عن الآثار الإنسانية المترتبة على تقويض النظام العام. من منظور القانون الدولي الإنساني، فإن حماية المدنيين لا تقتصر على منع استهدافهم بصورة مباشرة، وإنما تشمل أيضًا حماية البيئة المدنية والمؤسسات التي تؤدي وظائف أساسية في حياتهم اليومية، حيث ألزمت اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ولا سيما المادتان (55) و(56)، القوة القائمة بالاحتلال بضمان توفير الغذاء والرعاية الصحية للسكان المدنيين، كما أوجبت المادة (43) من لوائح لاهاي لعام 1907 اتخاذ التدابير اللازمة لإعادة النظام العام والسلامة العامة وضمانهما.

هذا وأكد البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط، بما يوفر الحماية للأعيان المدنية، ومنها أجهزة الشرطة متى كانت تؤدي وظائف مدنية ولا تشارك مباشرة في الأعمال العدائية.
 
وتؤكد القواعد العرفية للقانون 
الدولي الإنساني، التي جمعتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ضرورة احترام الأعيان المدنية، وتيسير وصول الإغاثة الإنسانية، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية السكان المدنيين.

ويتعزز هذا الالتزام في ضوء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، الذي أكد استمرار انطباق قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والتزامات القوة القائمة بالاحتلال تجاه السكان المدنيين في الأراضي المحتلة.

إن تقويض المؤسسات المدنية التي تضطلع بحفظ النظام العام، إذا اقترن بحرمان السكان من مقومات بقائهم الأساسية، يثير مسؤولية قانونية وفق قواعد القانون الدولي، ويستوجب التحقيق والمساءلة عن أي انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. في ضوء ما سبق نرى بأن حماية المدنيين في قطاع غزة تتطلب تحركًا دوليًا فاعلًا لإلزام القوة القائمة بالاحتلال باحترام التزاماتها القانونية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية وحماية السكان المدنيين، إلى جانب ضرورة توثيق الانتهاكات المرتبطة باستغلال الفوضى والابتزاز والاتجار بمعاناة المدنيين، وإحالتها إلى الجهات القضائية الدولية المختصة.

"انتهى"

الخبر السابق استهداف الاحتلال للشرطة بغزة انتهاك جسيم لقواعد ال...