القوارض والحشرات ... وجهٌ آخر للحرب في غزة

بقلم المحامي والناشط حقوقي الاستاذ رائد محمد البرش
14 يوليو 2026م

أفرزت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة تداعيات إنسانية وبيئية تصل حد الكارثة، تمثلت ملامحها في انهيار كامل للبنية التحتية، وتعطل شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات الصلبة، وانتشار ظاهرة الحفر الامتصاصية في الشوارع ومراكز الإيواء. هذه العوامل بشكل رئيس أسهمت في انتشار القوارض والحشرات الضارة، مثل الجرذان والفئران والذباب والبعوض والصراصير، الأمر الذي رفع مستوى مخاطر تفشي الأمراض المعدية والأوبئة، وغدا يمثل تهديداً خطيراً للحقوق الأساسية للمواطن الغزي وعلى رأسها حقه في الحياة وحقه في بيئة صحية نظيفة، هذه الظاهرة تثير جملة من التساؤلات على الصعيد الحقوقي والقانوني ترتبط بمدى التزام أطراف النزاع بقواعد القانون الدولي الإنساني، وقواعد حقوق الإنسان، سيًما تلك المتعلقة بحماية السكان المدنيين وضمان الظروف الصحية اللازمة لبقائهم على قيد الحياة.

لقد نتج عن القصف والتدمير والتجريف واسع النطاق الذي انتهجته قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة على قطاع غزة تدمير البنية التحتية المدنية ما أدى إلى انهيار منظومة الخدمات الأساسية في القطاع، بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي، ومحطات معالجة المياه العادمة، وأنظمة جمع النفايات هذا من جانب، ومن جانب آخر كان للحصار المطبق الذي فرضته سلطات الاحتلال منذ السابع من أكتوبر 2023 على قطاع غزة  وما صاحبه من منع  أو تقييد دخول الوقود والمعدات  الثقيلة والمولدات الكهربائية  وحظر إدخال المبيدات الحشرية ، أثر مباشر في تعطيل عمل البلديات، الأمر الذي تسبب في تراكم آلاف الأطنان من النفايات في المناطق السكنية ومراكز الإيواء، وهو ما وفر بيئة مناسبة لتكاثر القوارض والحشرات الناقلة للأمراض.

يؤكد ذلك تقارير دولية صدرت عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) حيث بينت أن انهيار خدمات المياه والصرف الصحي وتراكم النفايات زاد من مخاطر انتشار الأمراض المنقولة بالمياه والحشرات، خاصة في أماكن النزوح المكتظة، ومنذ السابع من أكتوبر 2023 أكدت منظمة الصحة العالمية  (WHO)عدة مرات أن انهيار النظام الصحي في غزة، إلى جانب نقص المياه النظيفة وتراكم النفايات، أدى إلى ارتفاع معدلات الأمراض المعدية والأمراض الجلدية وأمراض الجهاز الهضمي، مع وجود مخاطر جدية لتفشي الأوبئة نتيجة انعدام مقومات الصحة العامة.

لقد أوجبت قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني حماية عامة وخاصة للمدنيين وقت السلم ووقت الحرب فعلى صعيد قواعد حقوق الإنسان كفلت أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 الحق في الحياة بموجب المادة"3" حيث نصت على:" لكل فرد الحقُّ في الحياة .."، والحق في الصحة والمستوى المعيشي اللائق بموجب المادة "25" حيث نصت على:" لكل شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض .."، وفي ذات السياق كفلت أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام"1966" الحق في الحياة حيث نصت الماد"6" منه على: "الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان.. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا". إلى جانب القواعد السابقة أوجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 بموجب المادة "12" على الدول اتخاذ التدابير اللازمة لتحسين جميع جوانب الصحة البيئية، والوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية وغيرها، وهو ما يشمل توفير المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والبيئة الصحية.
وعلى صعيد أحكام القانون الدولي الإنساني فقد نصت اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، وألزمت القوة القائمة بالاحتلال بموجب المادة"56" بضمان تقديم الخدمات الطبية والصحية واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة، وأكدت المادة (59) من الاتفاقية على ضرورة السماح بعمليات الإغاثة الإنسانية عندما يعاني السكان من نقص حاد في الاحتياجات الأساسية. ونصت أحكام البروتوكول الإضافي الأول لعام  1977 على حماية عامة للسكان المدنيين  من آثار العمليات العسكرية، حيث حظرت المادة"54" منه على مهاجمة أو تدمير الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، مثل منشآت مياه الشرب وشبكات الإمداد بالمياه، كما حظرت المادة "55" من البرتوكول استخدام وسائل أو أساليب قتال يُقصد بها أو يُتوقع منها إحداث أضرار واسعة النطاق وطويلة الأجل وشديدة بالبيئة الطبيعية، لما لذلك من آثار على صحة السكان وبقائهم، وفي المادة"69" أكد البروتوكول على ضرورة توفير الإمدادات الأساسية، بما في ذلك المواد الضرورية للمحافظة على الصحة العامة.

إن الواقع الكارثي الذي يعيشه قطاع غزة بفعل حرب الإبادة المستمرة يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً  يفضي للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار  وإنهاء الحرب بشكل كامل باعتبارها السبب الرئيس في انهيار المنظومة البيئية والصحية، كما ويستدعي إنهاء الظروف التي تسمح بانتشار الآفات والأوبئة وذلك من خلال فتح جميع  المعابر دون قيود لإدخال المبيدات، ومواد التعقيم، والوقود، والمعدات الثقيلة، وكل ما يلزم لمكافحة القوارض والحشرات وإزالة النفايات والأنقاض، كما يجب على المجتمع الدولي والأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة إطلاق خطة استجابة طارئة وبشكل عاجل لمنع تحول قطاع غزة إلى بؤرة إقليمية للأوبئة والأمراض المعدية.


انتهى

الخبر السابق نسف لجهود الوسطاء.. مركز "حماية" يدين قصف نقطة شرط...